كن حاضراً هنا والآن

شارك المقال:

” البحث ” تعد هذه الكلمة من الأساسيات التي تعتمد عليها حياتنا، نحن نبحث باستمرار عن تلك التجارب الحسية الدقيقة التي تجعلنا ننبض ونشعر أننا على قيد الحياة، فمن منا لا يتوق إلى مثل تلك التجارب التي تقودنا إلى التعرف على أفكارنا و معتقداتنا و برامجنا وأنماطنا المخزنة بداخلنا لنشعر باستكشافنا في تلك الرحلة ببعض من الأمان والهوية الداخلية ذات المعنى العميق المتأصل بداخلنا من خلال إظهار ما نستشعره ونختبره من خلال حواسنا الجسدية والعقلية و من خلال إشباع رغباتنا النفسية والعاطفية و أحكامنا المسبقة وتوقعاتنا التي تظهر باستمرار في أذهاننا والتي تقودنا بذلك إلى الرضا عن كل ما نتخيله ونعمل على اسقاطه في واقعنا المدرك.

من الممكن أن ينقلب البحث عن التجارب الروحية الفريدة و المميزة إلى نوع من الإدمان أو يكون منشأها ضغط الممارس على نفسه ليجبرها على خوض مثل هذه التجارب خاصة إذا كانت هناك تجارب أخرى أدت إلى خيبة أمل ونوع من الفراغ الحسي في الداخل الذي يتبعه الشوق والرغبة في عيش تجربة روحية عميقة جداً وذات مغزى فقط كي يشعر أنه ينبض بالحياة.

في خيبة الأمل هذه مع تلك الرغبة المتأصلة في النفس والتي تبحث باستمرار وتتوق من خلالها لتلك التجارب تبرز الأنا وتظهر واضحة جلية مما يدفعنا ذلك إلى مواصلة البحث عما نستحقه ونريد تجربته و عيشة معتقدين بذلك أن كل ما نعيشه وعشناه بالفعل يجب علينا أن نحوله إلى تجارب متناسين بذلك عيش اللحظة كما هي وتعلم أكبر قدر من المتعة في اللحظة الحاضرة و التواجد فيها.

تلك الرغبة وذاك الطموح والبحث بعيش ذلك النوع من التجارب أزال اللحظة الحاضرة من الوجود لعيش ذلك النوع من التجارب التي تنقلنا إلى مستقبل أفضل، إذ يصبح التوق هو الشغل الشاغل والذي لا يتحقق الا بتحقيق تلك الرغبات التي يتوق لها كل منا.

نسعى أحيانا لإلغاء اللحظة، الحاضر، الآن، من خلال إضفاء المثالية على ما نريد ونرغب، إذ أن تلك الأفكار تنبثق فجأة لتخبرنا أننا يجب أن ننتظر علامة أو إشارة كونية ما لنبدأ رحلتنا الجديدة في الحياة، أو أن تلك الرغبة لن تتحقق إلا بوجود ذاك الشيء لدينا.

الرغبات و الاحتياجات التي لا نهاية لها والتي تحكم ظهورنا و وجودنا والتي منبعها الأنا التي تهتف دوما ( أبحث لكن لا أجد) حيث في جذور هذا النوع من البحث أعظم الخدع التي يتعرض لها الإنسان كالشعور بالنقص والندرة التي تسعى الأنا إلى تجذيرها وترسيخها لدينا في أغلب الأوقات من خلال تجاربنا في الحياة والتي تقود إلى خيبات الأمل ليصبح معنى الحياة لا معنى له.

إذا سمحنا لجوهرنا الحقيقي أو ما يسمى بالروح ذلك الوعي النقي والذي الذي يوجد لدى كل منا أن نختبر الحياة من خلال تلك البوصلة الداخلية ونسترشد بذلك الصوت الأمس الهادئ الذي يسكن ذواتنا فسوف ندرك أن كل بحث خارجي مرتبط بفراغ مع وجود مشاعر عدم رضا في الداخل متناسين بذلك ان كل رغبة منشأها من الخارج لا يمكنها أن تملئ الداخل وأن العيش من داخل القلب مختلف كليا عن الخارج.

عندما نفكر في الخارج في أي جانب من جوانب الحياة نضطر أحيانا إلى تجاهل صوت الروح في داخلنا ونجذر بقوة كل أنواع الأنا و مشاعرها المزيفة مع أمل الخلاص يوما ما مما يستهلك أو يستنزف لحظتنا الحاضرة، إذ قد ندرك أن هذا التوق هو وهم لن يحصل في المستقبل القريب أو البعيد ما لم نتخذ خطوة مباشرة لوضع حد للتجارب المتكررة و للتعبير عن ذواتنا الأصيلة التي تحمل كل معاني الخير وذات الوعي الأنقى و الأسمى.

الواقع الذي نعيشه هو انعكاس لنا وذلك لأن العقل كثيراً ما يحلل ويبحث عن طرق ليتجنب فيها الألم وأية مشاعر أخرى لايريدها.

من خلال النظر إلى مرآة الوعي في الحياة نستطيع أن نأخذ المفاتيح التي نريدها ففي كل تجربة من تجاربنا الروحية نتعلم منها أدوات نتخذها سلاحاً في رحلتنا في الحياة مما تساهم في توجيه تركيزنا نحو الداخل.

من هذه الأدوات الروحية التي لابد أن تكون لدى كل منا هي المراقبة وعدم اصدار الأحكام على الآخرين في قبول اللحظة الحاضرة كما هي، فعندما تكون الأنا خاضعة لإرادة الروح يظهر الإبداع الحقيقي في كل واحد منا ويصبح الوضوح السمة الغالبة فينا في كل ما نتوق إليه ونرغب بتحقيق ويصبح مصدره القلب والروح والعقل ثلاثية مزدوجة متحدة.

وتذكر أن الخطوة الأولى لذلك هي التخلي عما تريد فالهجر الحقيقي يكمن في إدراك أنه لا يوجد شيء لتتخلى عنه مثل النوم العميق فأنت عندما تنام لا تترك سريرك ولكنك تنام وتتناسى وجوده.

شارك المقال:

Responses